صلاح المختار
1
مقدمة
ثمة ظاهرة واضحة وهي أن الكثير من العرب الداعمين لإيران شرعوا بنقد موقفها تجاه العراق واعتباره خاطئا ومطالبتها بتصحيحه، بإيقاف التعاون مع أمريكا في العراق ودعم المقاومة العراقية ! هذا الموقف، إذا استثنينا بعض الأفراد، هو نتاج توجيه إيراني تم تعميمه بطرق مموهة على من يدعم إيران غالبا، يقضي بضرورة نقد سياسة إيران في العراق بشرط أن يتم في إطار تأكيد أن إيران مناهضة لأمريكا و"اسرائيل" في خطها العام، وان موقفها في العراق استثناء من القاعدة ! ومن الواضح أن هذا التوجيه الإيراني يهدف إلى المحافظة على نفوذها على بعض العرب الذين اكتشفوا، بالأدلة التي لا تدحض، إن إيران شريك أساسي لأمريكا في غزو وتدمير العراق، فضعف دعمهم لإيران وقلت قدرتهم على الدفاع عن سياسة لا يمكن الدفاع عنها بالنسبة لمن يحترم نفسه ووطنيته وعروبته. كما أن البعض الآخر انقلب على إيران وأصبح مناهضا لها بعد أن اكتشف أن السياسة الإيرانية تحركها مصالحها القومية وليس الإسلام أو مناهضة الاستعمار والصهيونية.
من هنا فأن نقد إيران المنضبط ضرورة أساسية لمنع مناصريها من التعرض للعزلة التامة في أوساطهم، من جهة، ووسيلة للمحافظة على من تبقى داعما لها من جهة ثانية. ومن المفارقات اللافتة للنظر أن هذا التوجيه الإيراني يشبه كثيرا التوجيه الأمريكي لعملائها العرب الذين وجدوا أنفسهم معزولين تماما عن الرأي العام العربي ويواجهون الاحتقار والتحقير، أينما اتجهوا، بسبب دعمهم للسياسة الأمريكية في العراق وفلسطين وغيرهما، فطلبت منهم مهاجمتها بشرط أن يقترن ذلك بمهاجمة البعث والمقاومة العراقية!
الموقف العراقي المبدئي
للتذكير بأن عراق البعث كان يمارس أقصى حالات الشعور بالمسؤولية تجاه وحدة المسلمين، مهما كانت خلافاتهم عميقة ومدمرة، يحب أن نشير إلى حادثة لها دلالات عميقة تعبر عن موقف العراق الحر، فبعد أن قصفت إيران، أثناء الحرب الإيرانية - العراقية، بصاروخ متوسط المدى مدرسة بلاط الشهداء، في حي الدورة المجاهد، وذهب ضحية ذلك أكثر من 30 طفل شهيد (هناك تشابه لافت للنظر وهو أن نفس الحي يتعرض منذ الغزو الأمريكي للعراق لحملات إيرانية منظمة، يشنها "فيلقي بدر والصدر" بدعم أمريكي، يذهب ضحيتها أسبوعيا عشرات العراقيين من أبنائه)، قام الرئيس الشهيد صدام حسين بزيارة لحضانة أطفال وسأل طفل : من هو عدونا؟ فأجاب الطفل بعفوية: إنها إيران التي قتلت أطفالنا، فرد الرئيس مصححا: كلا يا بني، إيران ليست عدونا بل "اسرائيل" هي العدو، هذه الحادثة معروفة للعراقيين وربما يعرفها بعض العرب، وهي تلخص مأساة جيرتنا الأبدية لإيران، لأنها تقدم صورة بالغة الوضوح لحراجة وازدواجية وتعقيد علاقتنا بإيران، فالعاطفة الجياشة بسبب قتل آلاف العراقيين أثناء حرب فرضها خميني على العراق وإيران فرضا تدفع العراقيين للنظر إلى إيران كعدو واقعي، وقاعدة دعم هذه العاطفة هو السؤال المنطقي التالي: وهل يقتل الصديق صديقه ؟ ولكن العقل والواقعية والخبرة تقول كلا إن العدو الحقيقي هو "اسرائيل"، لأن إيران بلد فرضته الجغرافية بمجاورته لنا، وزرع التاريخ في أرحامنا صلات الجيرة والتعامل والتفاعل، وجاء الإسلام ليعزز كل ذلك، فأصبحنا نتعامل مع جار كبير يمثل في أن واحد مصدر تحديات متكررة، لان الإسلام لم يجتث جذور الصراعات السابقة له بين بلاد فارس وبلاد الرافدين والتي تعود لآلاف السنين، ومصدر ثراء حضاري وإنساني حينما تتغلب نزعة التعايش بيننا.
ولكن ما حصل منذ غزو العراق لم يعد يحتمل أي تفسير تساومي ترقيعي للموقف الإيراني الخطير في العراق وتجاه الأمة العربية، فما توفر من أدلة ومؤشرات واقعية أكبر من أن يقنع بأن إيران صديقة للعرب. وابتداءا يجب أن نوضح بأننا حينما نقول إيران فنحن نشير إلى النخبة الفارسية الشوفينية المتحكمة فيها منذ آلاف السنين وليس إلى الشعب الإيراني، علينا أن نجيب على الأسئلة التالية بمنتهى الدقة والموضوعية لتجنب نتيجتين: نتيجة أن نقع في خطأ منع حل مشاكلنا مع إيران بالتفاوض والحوار إذا أبدت الاستعداد لذلك، ونتيجة أن نهمل دلالات سياسات إيران العدائية تجاه العراق، بشكل خاص، فنقع في فخ تقسيم إيران لوطننا العربي انطلاقا من العراق والخليج العربي، وعندها ستصبح كارثة فلسطين هي الأقل مأساوية في وطننا العربي.
إن أهم الأسئلة هي التالية: هل إيران دولة معادية؟ ما معنى العداء؟ وما هي تعبيراته؟ ومن هو العدو؟ وما هي درجة العداء الإيراني للأمة العربية؟ هل هو بمستوى العداء "الاسرائيلي" والأمريكي؟ وما هي مقاييس العداء والصداقة؟ وهل لإيران مطامح إمبراطورية مهما كانت تسميتها (إسلامية أو فارسية) تجعل من الوطن العربي جزء خاضعا لها؟ وما هي الأعمال الإيرانية التي تضعها في موقع العداء للأمة العربية؟ وهل إيران تتبع سياسة مناهضة لأمريكا و"اسرائيل"؟ وإذا افترضنا ولأغراض النقاش أن الجواب هو نعم، هل يسمح هذا لنا بأن نسكت على تدميرها لهويتنا ووطننا لمجرد أن لها صراعا مع أمريكا و"اسرائيل" لمصلحتها هي وليس لمصلحة فلسطين أو العرب؟ ما الذي فعلته إيران في العراق والخليج العربي وبقية أقطار الوطن العربي؟ وهل ما قامت به يختلف من حيث الجوهر عما فعلته وتفعله "اسرائيل" وأمريكا بالعرب؟ وما الذي فعلته "اسرائيل" وأمريكا ولم تفعله إيران بنا؟ وإذا ثبت أن إيران تقوم بارتكاب جرائم لا تقل بشاعة عن جرائم أمريكا و"اسرائيل" ماذا يجب أن نطلق عليها من وصف يحدد صلتها بنا كعرب؟ وهل نحن ضد "اسرائيل" لأنها يهودية؟ أم لأنها قامت على أساس استعمار فلسطين وطرد الفلسطينيين من وطنهم؟ هذه هي الأسئلة الأساسية، ومنها ستتفرع الكثير من الأسئلة في سياق عرض وتحليل الموقف الإيراني وطبيعة السياسة الإيراني.
حتى لو كانت إيران دولة ملائكة
لنبدأ من أصل الوهم وهو الاعتقاد بأن إيران تعادي أمريكا و"اسرائيل"، وهو منطق من يدافعون عنها وحجتهم الأساسية، والذي سنثبت أنه غير صحيح، لذلك لا يجوز معاداتها أو مهاجمتها أو وضعها في صف واحد مع أمريكا و"اسرائيل"، قبل أن نمزق هذا المنطق الساذج أو المتساذج إربا إربا، يجب أن نبدأ من الحد الأعلى للصواب والقداسة وهو افتراض أن إيران تحكمها جماعة من الملائكة وليس من رعاع الملالي المتعطشين للدماء كما أثبتت تجربة العراق، وأن هؤلاء الملائكة، ورغم أنهم ملائكة، يحاولون غزو وطني وجعلي مواطن من الدرجة الثانية أو على الأقل تابع لملاك أجنبي، فهل سأقبل بالعبودية لملاك؟ وما الفرق بين العبودية لملاك والعبودية لشيطان؟ بالتأكيد لا، لأن الإسلام هو دين الحرية والمساواة، ألم يقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)؟ ألم يقل سبحانه وتعالى (وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أفضلكم عند الله أتقاكم)؟ إن الإسلام لم يخلق الملائكة لتغزو ولا لتعتدي أو تقسم وتظلم بل خلقها لعمل الخير، وأول عمل الخير هو احترام الآخرين وعدم الطمع في أرضهم ومياههم وثرواتهم، ناهيك عن تحليل قتلهم واستعبادهم. لذلك فان الملاك اذا اعتدى واحتل يعامل في السياسة الدفاعية، وهي سياسة مشروعة دينيا ومنطقيا وشرعيا وأخلاقيا، مثلما يعامل الشيطان.
لو كانت إيران تحكم من قبل الملائكة وحاربت أمريكا و"اسرائيل" ألف مرة، ثم حاولت غزو العراق وأي قطر عربي، أو شاركت في ذلك، لحملت السلاح ضد دولة الملائكة وقاتلتها حتى تحرير أي قطر عربي أو منع احتلاله، إذن دعونا من الاسطوانة التي أصبحت مشروخة بعد احتلال العراق وهي (أن إيران معادية لأمريكا و"اسرائيل" ولذلك لا يجوز أن نعاملها كعدو خطير، وأن نحاول نصحها للتوقف عن أعمالها الخاطئة)! كما يقول من يدافع عن إيران من العرب، من حقنا كعرب أن ندافع عن هويتنا العربية ووطننا ومصالحنا، وإذا اعتدت علي إيران، أو دولة ملائكة ستهبط من السماء، فأنني لن أقف مكتوف اليدين بل سأدافع عن نفسي مستخدما أول حق لأي حيوان خلق على وجه الأرض وحلله الله والقانون والمنطق وهو حق الدفاع عن النفس، وحق الدفاع عن النفس مشروع مادام هدفه دفاعي لحماية الوجود من العدوان، فإذا كنا نحارب دولة ملائكة تعتدي علينا فهل نتسامح ونتساهل مع دولة، هي إيران، خاضت معنا عشرات الحروب وغزتنا مرارا، عبر أكثر من خمسة آلاف عام، ولها مطامع توسعية في أرضنا واحتلت بعضها ومازالت تحتلها، ولها معنا ثأرات جديدة، ثأر هزيمة مشروعها التوسعي وهو غزو الوطن العربي والعالم الإسلامي تحت شعار مضلل هو (نشر الثورة الإسلامية)، أيام خميني، بفضل بطولات العراقيين وتضحياتهم العظيمة، وثأرات قديمة أبرزها الفتح الإسلامي الذي دمر دولة المجوس، فاقسموا على الانتقام من العرب ومن الإسلام الذي أطفأ نار المجوس؟
ولو أن إيران خاضت ألف حرب مع "اسرائيل" وأمريكا، وكانت كل هذه الحروب جدية وحقيقية، فأنا كإنسان عربي سأدافع عن نفسي وعن وطني وعن هويتي العربية حينما يأتيني إيراني ويريد أن يحتل وطني تحت أي شعار، وفي هذه الحالة الافتراضية (أي افتراض أن إيران تحكمها الملائكة) سيكون غباء مفرطا أن لا أسأل نفسي بصوت عال: إيران التي تقتلني في العراق وتريد تقسيم العراق هل تختلف مع أمريكا و"اسرائيل" لمصلحة العرب في فلسطين أم لمصلحتها القومية هي؟ وما هي المصلحة الإيرانية في قتل العراقيين وتقسيم وطنهم إذا كان ادعاءها بأنها تدافع عن فلسطين صحيحا؟ هذه بديهية يجب الانتهاء منها قبل أي كلام، لأن الدم يتدفق من أفواهنا ونحن نتحدث عن إيران وجرائم إيران في العراق، والجرائم الأخطر لإيران التي تنتظر بقية العرب إذا لم يفيقوا قبل فوات الأوان.
هنا يجب أن نزيل الأوهام بالالتصاق بالواقع المعاش وليس بالفرضيات الساذجة المبنية على الجهل، أو الأوهام المصدرة قصدا والتي يروجها أشخاص ارتبطوا مصلحيا بالمشروع الإيراني التوسعي، ولتسهيل الأمر سنطرح الموضوع بصيغة الأسئلة والأجوبة لأنها تسهل تصنيف المواضيع وترتيبها وتوضيحها، كما أننا سنطرح بعض الأسئلة ونترك الجواب عليها للقارئ.
هل النظام الإيراني إسلامي
لو كان نظام إيران إسلاميا حقا لتفهمنا (وليس قبلنا) دعم بعض العرب لإيران، ولكن النظام يتميز بالعنصرية والطائفية السياسية، وحتمية تبعية من يوالي إيران لمرجعيتها الدينية، وهنا سنناقش ما ورد في الدستور الإيراني لإثبات أن إيران تعمل وفقا لمصالحها القومية وليس وفقا لمذهب أو دين، كما سنتناول الممارسات الفعلية لإيران لنصل إلى استنتاج حاسم وهو أنها دولة قومية صرفة تستخدم الدين والطائفة لخدمة الهدف القومي.
في مقدمة الدستور الإيراني وفي فقرة (أسلوب الحكم في الإسلام) ترد العبارة التالية: (ومع الالتفات لمحتوي الثورة الإسلامية في إيران – التي كانت حركة تستهدف النصر لجميع المستضعفين علي المستكبرين - فإن الدستور يعدّ الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلائق الدولية مع سائر الحركات الإسلاميّة والشعبيّة حيث يسعي إلى بناء الأمة الواحدة في العالم ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم.)، في هذه الفقرة الدستور الإيراني دستور توسعي يسعى رسميا لاستمرار (الثورة وتوسعها في الخارج لأجل بناء الأمة الواحدة في العالم)! فهو مشروع إمبراطورية كونية، وفي فقرة الجيش العقائدي يقول الدستور (في مجال بناء القوات المسلحة للبلاد وتجهيزها، يتركز الاهتمام على جعل الإيمان والعقيدة أساساً وقاعدة لذلك، وهكذا يصار إلى جعل بنية جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة على أساس الهدف المذكور ولا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم). إذن إيران تعد جيشها لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم، والحاكمية طبعا تمثلها النخب الإيرانية الفارسية. وفي فقرة النواب ترد الفقرة التالية (على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقق الحكومة العالمية للمستضعفين وهزيمة المستكبرين كافة)، حينما وضع الدستور في القرن الماضي كان توقع ملالي إيران هو أن تكتسح جيوشهم ودعوتهم العالم كله فتقوم الحكومة العالمية! وفي المادة 3 نفسها الفقرة 16 تقول: (تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين والحماية الكاملة لمستضعفي العالم)، هنا تلتزم إيران بحماية جميع مستضعفي العالم، بمعنى أنها تتدخل في كل دولة تعتقد هي أن هناك من يتعرض للاضطهاد! والسؤال هنا هو ما هو المعيار الذي يجعل من إيران تقرر وقوع الاضطهاد على هذا أو ذاك؟ وكيف تتدخل؟ عسكريا؟ أم قانونيا؟ وبأي حق تتدخل والعالم عالم سيادات تتمسك هي فيه بسيادتها كما يعبر الدستور الإيراني مرارا؟
في الفقرات السابقة تأكيد على عالمية أهداف إيران وبناء حكومة عالمية باستخدام الجيش الإيراني والوسائل الأخرى، لكن في المادة 3 الفقرة 11 تبدأ الأصول القومية بالظهور فتقول (تقوية بنية الدفاع الوطني بصورة كاملة، عن طريق التدريب العسكري لجميع الأفراد، من أجل حفظ الاستقلال ووحدة أراضي البلاد والحفاظ على النظام الإسلامي للبلاد)، إذن هناك وطنية وهناك استقلال وهناك وحدة ارضي البلاد! والسؤال هنا هو: كيف تريد إيران بجيشها وقيادتها إقامة إمبراطورية عالمية وحكومة عالمية مع أنها تتمسك بالوطنية والاستقلال ووحدة الأراضي الإيرانية؟ أليس للدول الأخرى نفس الحقوق؟ ألا يتعارض ذلك مع تساوي حقوق الأمم وهو أبرز مظاهر العدالة؟ وتقول (المادة التاسعة): (في جمهورية إيران الإسلامية، تعتبر الحرية والاستقلال ووحدة أراضي البلاد و سلامتها أموراً غير قابلة للتجزئة، وتكون المحافظة عليها من مسؤولية الحكومة وجميع أفراد الشعب، ولا يحق لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول أن يلحق أدني ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري لإيران أو ينال من وحدة أراضي البلاد باستغلال الحرية الممنوحة). مرة أخرى تبرز الروح القومية الثابتة في الدستور، وتتحدد الطبيعة الطائفية للنظام الإيراني في المادة 12 التي تقول (الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير). هذه المادة تؤسس لفتنة طائفية بين المسلمين، فإذا كان هدف إيران إقامة حكومة عالمية فأن مذهبها الأبدي يجب أن يكون مذهب الحكومة العالمية الإسلامية، مع أن الأغلبية في العالم الإسلامي سنية! فكيف سيحل هذا الإشكال؟ هل باستخدام القوة كما نلاحظ في العراق؟ أم بحرمان الطوائف الإسلامية الأخرى من حقوقها كما تؤكد تجربة إيران التي تمنع السنة من إقامة المساجد رغم النص في هذه المادة على العكس؟ وتزداد النزعة القومية وضوحا في (المادة السادسة والعشرون) حيث تقول بصراحة تامة: (الأحزاب، والجمعيات، والهيئات السياسية، والاتحادات المهنية، والهيئات الإسلامية، والأقليات الدينية المعترف بها، تتمتع بالحرية بشرط أن لا تناقض أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية، كما أنه لا يمكن منع أي شخص من الاشتراك فيها، أو إجباره على الاشتراك في إحداها)، هذه المادة تنطوي على معنى واضح وهو أن من يؤسس حزبا أو هيئة أو اتحاد لا يجوز له التعامل مع أجنبي بما يهدد الاستقلال والوحدة الوطنية، ومن البديهي أنها تتناقض مع إصرار الدستور الإيراني على نشر (الثورة الإيرانية) ومنح إيران حق التدخل، فكيف تعطي لنفسها حق التدخل في كل مكان بإنشاء تنظيمات تابعة لها وتمنع مواطنيها من تهديد الاستقلال والوحدة الوطنية عن طريق واضح وهو التعاون مع الأجنبي؟
وفي المادة الثامنة والسبعون تتعزز النزعة القومية حيث تقول : (يحظر إدخال أي تغيير في الخطوط الحدودية سوي التغييرات الجزئية مع مراعاة مصالح البلاد و بشرط أن تتم التغييرات بصورة متقابلة، وأن لا تضر باستقلال و وحدة أراضي البلاد، وأن يصادق عليها أربعة أخماس عدد النواب في مجلس الشورى الإسلامي)، من المفيد ملاحظة أن حدود إيران كلها مع دول إسلامية، ولذلك فأن المعيار الوطني في هذه الفقرة يتغلب على المعيار الإسلامي، وتضيق الحلقة في الدستور باشتراط أن كل القوانين والتشريعات التي يتبناها مجلس الشورى يجب أن لا تتعارض مع المذهب الرسمي، أي المذهب الاثنا عشري كما ورد في المادة الخامسة والثمانون! وفي (المادة التاسعة بعد المئة) تحدد (الشروط اللازم توفرها في القائد وصفاته هي:
1 - الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
2 - العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية.
الرؤية السياسية الصحيحة، والكفاءة الاجتماعية والإدارية، والتدبير والشجاعة، والقدرة الكافية للقيادة، وعند تعدد من تتوفر فيهم الشروط المذكورة يفضل من كان منهم حائزا علي رؤية فقهية وسياسية أقوى من غيره)، وطبقا لهذه المادة فأن القائد أو المرشد هو قائد كل الأمة الإسلامية وليس إيران فقط، ومن ثم على الجميع إتباعه داخل وخارج إيران، وعند تحديد شروط رئيس الجمهورية تتضح الطبيعة القومية المتعصبة: تقول المادة الخامس عشرة بعد المئة: (ينتخب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين الذين تتوفر فيهم الشروط التالية:
3 - أن يكون إيراني الأصل و يحمل الجنسية الإيرانية.
4 - قديراً في مجالس الإدارة والتدبير.
5 - ذا ماض جيد.
6 - تتوفر فيه الأمانة والتقوى.
7 - مؤمناً ومعتقداً بمباديء جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد).
الفقرة (3) تنص على أن يكون إيراني الأصل وليس إيرانيا اكتسب الجنسية فقط، وهذه الفقرة تميز بين إيراني من أصل إيراني وآخر من أصل غير إيراني. بمعنى آخر أن الإيراني من أصل عراقي مثلا لا يحق له أن يرشح لرئاسة الجمهورية، وهذا الأمر كان أول ضحية له بعد سقوط الشاه وانتخاب رئيس جمهورية هو جلال الدين فارسي، وكان من أقرب الناس لخميني وهو الذي أراد ترشيحه للرئاسة ولم ينافسه أحد على هذا الترشيح، وكان فوزه مضمونا لهذا السبب، ولكن حينما أخبر خميني بأنه من أصل أذربيجاني أي تركي طلب منه خميني الانسحاب من الترشيح ورشح محله أبو الحسن بني صدر! وهذه الحادثة مهمة جداً لأنها تكشف التعصب القومي لدى الملالي.
وفي قسم رئيس الجمهورية تتكرر ظاهرة النزعة القومية والدفاع عن المذهب والتمسك به فتقول المادة الحادية والعشرون بعد المئة:
يؤدي رئيس الجمهورية اليمين التالية، وتوقع على ورقة القسم، في مجلس الشورى الإسلامي في جلسة يحضرها رئيس السلطة القضائية وأعضاء مجلس صيانة الدستور: بسم الله ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |